الرئيسية

«وعد الحر دين عليه».. حين يسقط «التراكتور» في اختبار الـ 5000 درهم

13:54 · 27/09/2026

تظل العبارة الشهيرة «وعد الحر دين عليه» معياراً أخلاقياً وسياسياً تُقاس به مصداقية الفاعلين في المشهد العام. لكن في كواليس السياسة ومواسم الاقتراع، كثيراً ما تتحول الوعود الانتخابية إلى مجرد “شيكات بلا رصيد” تنتهي صلاحيتها بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع. هذا السيناريو هو ما يواجهه اليوم حزب الأصالة والمعاصرة (البام)، الذي وجد نفسه في مرمى الانتقادات الشعبية والإعلامية بعد تنصله من أحد أبرز وعوده المغرية للمغاربة: رفع الحد الأدنى للأجور (السميك) إلى 5000 درهم.

فخلال الحملة الانتخابية، دافع حزب الأصالة والمعاصرة بقوة عن خطاب اجتماعي يرفع شعار حماية القدرة الشرائية، مستهدفاً الطبقات الهشة والمتوسطة التي أنهكتها تكاليف العيش. وكان الرقم “5000 درهم” كحد أدنى للأجور بمثابة الورقة الرابحة التي استقطبت أصوات آلاف العائلات الحالمة بتحسين أوضاعها المعيشية وسط تعهدات بحزمة إصلاحات اقتصادية شاملة.

لكن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن الناخبين؛ فبعد الظفر بالمرتبة الأولى وقرب الحزب من رئاسة الحكومة واستلام قيادييه لحقائب وزارية هامة ، بدأت نبرة الخطاب تتغير تدريجياً، متحولة من الالتزام الحاسم إلى التبرير والانسحاب المتدرج.

نقطة التحول التي أشعلت السجال تجسدت في التصريحات الإعلامية للقيادي في الحزب والوزير محمد المهدي بنسعيد، والتي أعاد فيها رسم تفاصيل القصة؛ حيث نفى بنسعيد أن تكون لدى الحزب نية صريحة أو التزام قاطع برفع “السميك” إلى هذا الرقم تحديداً، ملمحاً إلى أن الطرح لم يكن برنامجاً حتمياً بقدر ما كان نقاشاً أثير سياقياً، محاولاً إرجاع أصل الرقم أو الفكرة إلى تصريحات سابقة للوزير المكلف بالميزانية، فوزي لقجع.
هذا التوضيح المتأخر اعتبره متابعون ومواطنون بمثابة “هروب إلى الأمام” وتنصل غير مبرر من مسؤولية سياسية وأخلاقية. فالرقم لم يروج له كفكرة عابرة، بل كان جزءاً محورياً من التسويق السياسي الذي اعتمد عليه الحزب لنيل ثقة الشارع الوصول إلى مركز القرار.

لم تمر هذه التبريرات مرور الكرام على الشارع المغربي وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبرها قطاع واسع من المواطنين نموذجاً صارخاً لـ “الخدعة الانتخابية”. فالمواطن في نهاية المطاف لا يعنيه من نطق بالرقم أولاً ولا الصراعات التقنية بين مكونات التحالف، بل يحاسب الحزب على ما وضعه في الواجهة الانتخابية واقتنع به الناخب عند صندوق الاقتراع.
ويرى محللون سياسيون أن مثل هذه السلوكيات تعمق أزمة الثقة بين الشارع والمؤسسات الحزبية، وتغذي حالة العزوف والزهادة في المشاركة السياسية. فعندما يصبح الوعد الانتخابي مجرد طُعم للوصول إلى الكرسي، تتآكل مصداقية الخطاب السياسي ككل، ويطرح الشارع سفالاً مشروعاً: «كيف يمكن الائتمان على تدبير الشأن العام لمن لا يلتزم بكلمته؟».
إن إكراهات الميزانية وضغوط الظرفية الاقتصادية أمور واقعية تفهمها الجماهير إذا ما قُدمت بشفافية وصراحة، غير أن التنصل من الوعود والرمي بالكرة في ملاعب أخرى يزيد المشهد غموضاً، ليبقى ملف “الـ 5000 درهم” شاهداً على الفجوة العميقة التي تفصل أحياناً بين شعارات الحملات الانتخابية، وواقع الممارسة الحكومية.

إعلانك هنا