مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المقررة في الثالث والعشرين من شتنبر الجاري، تعود قضايا العالم القروي والمناطق الجبلية لتتصدر واجهة النقاش السياسي، محولةً هموم الساكنة المحلية ومطالبها الملحة في مجالات فك العزلة، وتحسين البنيات التحتية، وتوفير الماء الصالح للشرب، والارتقاء بخدمات الصحة والتعليم إلى جانب دعم الفلاحة، إلى مادة رئيسية في البرامج الحزبية وخطابات المرشحين.
غير أن هذا الحضور المكثف يوقظ تساؤلات مشروعة حول مدى استدامة هذا الوهج السياسي خارج أسوار المواسم الانتخابية، سيما أن هذه المناطق ترزح تحت وطأة تحديات هيكلية عميقة لا تختزل في تقلبات الموسم الفلاحي وحدها، بل تمتد لتشمل الخدمات الأساسية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة.
وفي هذا السياق، تبرز في البرامج الانتخابية الراهنة مقترحات طموحة لدعم صغار الفلاحين، وتدبير أزمة الماء العطشى، وتطوير مسالك التوزيع، فضلاً عن تشجيع الاستثمار وخلق فرص الشغل للشباب والنساء، حيث تتفاوت مقاربات الأحزاب وتختلف حلولها المقترحة. فعلى سبيل المثال، يركز حزب الأصالة والمعاصرة في برنامجه على ربط جزء من أهداف التشغيل بالفلاحة القروية، وإقرار تدابير تخص الأمن المائي والاستثمار وحماية الموروث الفلاحي.
إلا أن جوهر الإشكال لا يكمن في وفرة الوعود أو ضخامة الإجراءات الورقية، بل في مدى قدرة الهيئات السياسية على تنزيل هذه المقترحات في صيغة التزامات فعلية قابلة للتنفيذ والقياس، مقرونة بآليات صارمة للمساءلة. فساكنة البوادي والمناطق الجبلية، التي تكابد يومياً في سبيل الولوج إلى مقومات العيش الكريم من صحة وتعليم وماء وطرق، تطلع إلى سياسات عمومية مستدامة تتجاوز بكثير سقف الوعود الموسمية المرتبطة بالحملات الانتخابية.
هكذا، وبقدر ما يعكس إدراج العالم القروي في صلب النقاش الانتخابي وعياً متزايداً بضرورة تحقيق العدالة المجالية وتقليص الفوارق الترابية، يظل الرهان الحقيقي معقوداً على مدى التزام المنتخبين والأحزاب بمرافقة هذه القضايا والدفاع عنها داخل قبة البرلمان والمؤسسات المنتخبة، لا الاكتفاء باستهلاكها في التجمعات الخطابية. فالتنمية القروية الحقة ليست رهينة بموعد انتخابي عابر، بل هي مسار استراتيجي طويل المدى يتطلب رؤية واضحة تضمن استمرارية الاستثمار، والارتقاء بالخدمات، وترسيخ أثر ملموس تلمس الساكنة نتائجه على أرض الواقع.




